احذر هذا المنزلق


كتبه - يوسف بن عيد العنزي

باحث مهتم بالأمن الفكري والأنظمة والأحكام العدلية

 

قال الله تعالى : {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}{58 - 59} من سورة التوبة.

 

قال العلامة عبدالرحمن ابن سعدي رحمه الله في تفسيره:

" أي: ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك في قسمة الصدقات، وينتقد عليك فيها، وليس انتقادهم فيها وعيبهم لقصد صحيح، ولا لرأي رجيح، وإنما مقصودهم أن يعطوا منها. {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} وهذه حالة لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه، تابعا لهوى نفسه الدنيوي وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون هواه تبعا لمرضاة ربه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"  ، وقال هنا: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله} أي: أعطاهم من قليل وكثير. {وقالوا حسبنا الله}  أي: كافينا الله، فنرضى بما قسمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا: {سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} أي: متضرعون في جلب منافعنا، ودفع مضارنا، لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية.." [ص: 340].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى  :

" وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقون فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه.. (ثم استدل بالآية)  [ السياسة الشرعية : ٣٠].

 

وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ علَى فَضْلِ مَاءٍ بالطَّرِيقِ يَمْنَعُ منه ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَاهُ، إنْ أَعْطَاهُ ما يُرِيدُ وَفَى له وإلَّا لَمْ يَفِ له، وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ باللَّهِ لقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، فأخَذَهَا، وَلَمْ يُعْطَ بِهَا " أخرجه البخاري.

 

قال شيخ الإسلام أبن تيمية رحمه الله :

"فَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَاجِبَةٌ لِأَمْرِ اللَّهِ بِطَاعَتِهِمْ فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ لِلَّهِ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. وَمَنْ كَانَ لَا يُطِيعُهُمْ إلَّا لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ فَإِنْ أَعْطَوْهُ أَطَاعَهُمْ؛ وَإِنْ مَنَعُوهُ عَصَاهُمْ: فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ... " [مجموع الفتاوى : 35/ 16 ]

 

فالبعض قد يقع في هذا الأمر ويكون معرض نفسه لهذا الوعيد اما جهلا منه او اغترارا بدعاة الفتن الذين يعزفون على وتر الأمور الدنيوية بأن لك حق في هذا المال... وغيرها من مطامع النفوس والحظوظ الدنيوية ، لماذا يعطيهم ولا يعطيني؟ فلي حق في هذا المال كما لغيري !

 

فأدي الذي عليك يا رعاك الله ، واحذر ان تكون فيمن هذه صفته وهذا حاله ، او ان تكون بوقاً بأيدي هؤلاء فتحقق مراميهم ومبتغاهم من حيث لا تدري ، فعلاج ما تجده في هدي نبينا صلى الله عليه وسلم ، فعن ابن مسعود رضي الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم  : " سَتَكُونُ أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، فَما تَأْمُرُنا؟ قالَ: تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي علَيْكُم، وتَسْأَلُونَ اللَّهَ الذي لَكُمْ" متفق عليه.

 

قال الامام أبن باز رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث من كتاب رياض الصالحين:

" فالمصلحة العامة تُقدَّم على المصلحة الخاصَّة، وكونه على حقٍّ أو ما أُعطي حقًّا هذه مسألة جزئية، فلا تُوجب أن ينزع يدًا من طاعةٍ، بل عليه أن يسمع ويُطيع في المعروف، ويسأل الله الذي له، ويُؤدي الذي عليه من السمع والطاعة في المعروف، والتعاون على البر والتقوى، هذا هو الواجب على الجميع " .

 

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في شرحه لكتاب رياض الصالحين عند هذا الحديث :

"وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه عليه الصلاة والسلام علم أن النفوس شحيحة، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم، ولكنه عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أمرٍ قد يكون فيه الخير، وذلك بأن نؤدي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة، وعدم منازعة الأمر وغير ذلك، ونسأل الله الذي لنا؛ وذلك إذا قلنا: اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا، كان في هذا خير من جهتين "

 

فأرضى ياعبدالله بما قسمه الله لك ، واسعى لطلب الرزق بالأسباب المباحة ، واتبع الطّرق التي تُعينك عليه والبركة فيه ، قال الله تعالى : {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [(77) سورة القصص] ، وعليك بالجد والنشاط وان لا تعجز وتكسل واقتنص الفرص وبادر وكن قنوعا فسوف يؤتك الله من فضله.

اقرأ المزيد

نصرة المظلوم المستجير بين عاصفة الملك "فهد" وحزم الملك "سلمان"

الحمد لله الواحد الديان خالق الثقلان ومسير الأكوان، أما بعد...

وقفات مع وفاة الإخواني محمد مرسي

فإنه قد دلَّت سنة الله الكونية والشرعية أن الله سبحانه لا يُصلح عمل المفسدين، بل يجعل أمرهم في سفال

"آل الشيخ" جهوده إلى الشيشان.. والإعلام الساقط إلى الخسران

الأمة الإسلامية شرفها الله بأعظم رسالة، ورسالتها قائمة على العبادة، وأشرف أماكن العبادة المساجد

المملكة العربية السعودية.. عَمِيْلَةٌ لمن؟

بكل صراحة... أنا رجل كثير الشك، دائم التفكير، شديد الفضول، مستمر التحليل والتركيب والربط والمقارنة

كلمة الملك "سلمان" بين "الرحمة" و"الشفافية"

الكلمة التي ألقاها سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك الصالح والإمام العادل سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله

حفيد المجدد

الحمدلله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

تعليقات


آخر الأخبار